القرطبي
46
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
في حديث هشام بن عروة عن أبيه عن ناجية . وهو عندنا أصح من حديث ابن عباس ، وعليه العمل عند الفقهاء . ويدخل في قوله عليه السلام : ( خل بينها وبين الناس ) أهل رفقته وغيرهم . وقال الشافعي وأبو ثور : ما كان من الهدى أصله واجبا فلا يأكل منه ، وما كان تطوعا ونسكا أكل منه وأهدى وادخر وتصدق . والمتعة والقرآن عنده نسك . ونحوه مذهب الأوزاعي . وقال أبو حنيفة وأصحابه : يأكل من هدى المتعة والتطوع ، ولا يأكل مما سوى ذلك مما وجب بحكم الاحرام . وحكى عن مالك : لا يأكل من دم الفساد . وعلى قياس هذا لا يأكل من دم الجبر ، كقول الشافعي والأوزاعي . تمسك مالك بأن جزاء الصيد جعله الله للمساكين بقوله تعالى : " أو كفارة طعام مساكين " ( 1 ) [ المائدة : 95 ] . وقال في فدية الأذى : " ففدية من صيام أو صدقة أو نسك " ( 2 ) [ البقرة : 196 ] . وقال صلى الله عليه وسلم لكعب بن عجرة : ( أطعم ستة مساكين مدين لكل مسكين أو صم ثلاثة أيام أو انسك شاة ) . ونذر المساكين مصرح به ، وأما غير ذلك من الهدايا فهو باق على أصل قوله : " والبدن جعلنا لكم من شعائر الله - إلى قوله - فكلوا منها " [ الحج : 36 ] . وقد أكل النبي صلى الله عليه وسلم وعلى رضي الله عنه من الهدى الذي جاء به وشربا من مرقه ، وكان عليه السلام قارنا في أصح الأقوال والروايات ، فكان هديه على هذا واجبا ، فما تعلق به أبو حنيفة غير صحيح . والله أعلم . وإنما أذن الله سبحانه من الاكل من الهدايا لأجل أن العرب كانت لا ترى أن تأكل من نسكها ، فأمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بمخالفتهم ، فلا جرم كذلك شرع وبلغ ، وكذلك فعل حين أهدى وأحرم صلى الله عليه وسلم . الثالثة عشرة - ( فكلوا منها ) قال بعض العلماء : قوله تعالى " فكلوا منها " ناسخ لفعلهم ، لأنهم كانوا يحرمون لحوم الضحايا على أنفسهم ولا يأكلون منها - كما قلناه في الهدايا - فنسخ الله ذلك بقوله : " فكلوا منها " وبقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( من ضحى فليأكل من أضحيته ) ولأنه عليه السلام أكل من أضحيته وهديه . وقال الزهري : من السنة أن تأكل أولا من الكبد .
--> ( 1 ) قراءة نافع راجع ج 6 ص 302 . ( 2 ) راجع ج 2 ص 365 فما بعد .